الحرب على غزة
5 دقيقة قراءة
هل تستطيع المقاومة الفلسطينية وقف الحرب في قطاع غزة؟
وصلت المعارك في قطاع غزة إلى الذروة في عمليات القتل والتدمير التي يمارسها جيش الاحتلال منذ نحو عامين، وها قد دخل العيد الرابع على الغزّيّين، وما زالت آلة الدمار تتحرك بلا توقّف، والمفاوضات التي يرعاها الوسطاء ترجع إلى الوراء كلّما تقدّمت قليلاً.
هل تستطيع المقاومة الفلسطينية وقف الحرب في قطاع غزة؟
في الواقع فإن المقاومة قدّمت كل ما تستطيع وكل مرونة لوقف الحرب، وأن مطالبها لا تعدو أن تكون أن يستريح قطاع غزة من الحرب. / AA
منذ يوم واحد

وإزاء هذا الوضع المجنون الذي أضحى فيه الوقت يقاس بالدماء، أصبح الجميع يبحث عن سبيل لوقف هذه الحرب التي ظهر فيها عجز الجميع عن كف يد إسرائيل، ومنعها من التغوّل بكل هذه الدماء بعد أن دمّرت مناطق شاسعة جداً في قطاع غزة.

ورغم أن الجهة التي ينبغي توجيه الخطاب إليها هي آلة القتل والدمار الإسرائيلية لوقف عملياتها، فإن انصراف القوى الغربية الأساسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، عن ممارسة ضغوط فعّالة على تل أبيب، أدى إلى توجيه الضغوط نحو المقاومة الفلسطينية، لدفعها إلى اتخاذ قرارات تُفضي إلى نزع مبررات الهجوم الإسرائيلي العنيف، وإتاحة المجال للقوى الغربية لرفع مستوى ضغوطها على إسرائيل لإجبارها على وقف الحرب الصفرية.

وتتجلّى في هذه الضغوط جهتان رئيسيتان: الجهة الأولى، شعبية، تتعرض لنيران كثيفة في قطاع غزة، وتتعلّق بأي قشّة تنقذها من حالة الغرق المستمر في الدماء، والخوف، والجوع، والجراح، والموت المنتشر؛ فتنظر في مآلات الاستسلام والتنازل، وتعدّه مبرَّراً ما دام يحفظ ما تبقّى من الأرواح، ويُنهي هذا الواقع المزمن المجنون.

وأما الجهة الثانية فهي السلطة الفلسطينية التي لم يظهر لها أي دور مؤثر في هذه الأحداث الضخمة، فالضفة الغربية التي تسيطر عليها تتعرّض لاجتياح شامل وحصار متصاعد، مع موجة غير مسبوقة من الاستيطان وتهويد القدس وعمليات القتل؛ وخرجت السلطة الفلسطينية عن حيادها السلبيّ، وقررت توجيه جزء من ضغوطها نحو المقاومة الفلسطينية، وتحميلها قدراً عالياً من المسؤولية عمّا جرى.

ولا شك أن المقاومة الفلسطينية تتعرّض لأكبر ضغوط في تاريخها عبر استنزاف لا هوادة فيه لحواضنها بشكل مباشر، واستنزاف هائل في كوادرها وقياداتها ومقدراتها إلا أنها لا تزال ترى المشهد الإسرائيلي بوضوح، وأن هذا الطوفان قد كشف عن كل الأوراق الإسرائيلية، وأظهر إسرائيل على حقيقتها، ولم يعُد هناك أي شيء مستور أو تحت الطاولة، وأن البيئة الاستراتيجية التي كانت تحمي إسرائيل تتفكّك بأحداث متعاقبة وسريعة، وأنّ الواقع القادم الذي ينتظر إسرائيل هو العزلة الإقليمية والدولية بعد أن أثبت الطوفان أنها قابلة للهزيمة وأنها ليست قدَراً محتوماً لا تملك المنطقة أن تفعل أي شيء لمواجهته.

ومع أن المقاومة الفلسطينية منفتحة بشكل كامل على كل ما يؤدي إلى وقف الحرب، ومنشغلة بها في جميع اتجاهات الأولوية لديها، وقدّمت مبادرات وتنازلات كبيرة في أثناء جولات التفاوض، واستجابت لأفكار الاختراق التفاوضيّ، وبرمجت جاهزيّتها لإنجاز اتفاق معقول عبر الوسطاء الذين اعترفوا لها بأنّها كانت في غاية المرونة التفاوضية، وأنّها فعلت عمليّاً كلّ ما يمكن أن تفعله، إلا أنها ليست مستعدة لأن يكون وقف القتال هذا مؤقتاً. لأن الوقف المؤقت الذي جرّبه الجميع في الهدنة الأولى في بداية الطوفان سيدمّر المجتمع الفلسطيني نفسيّاً عند استئناف الحرب بعد شهر أو شهرين من وقفها بأي حجّة تستند إليها إسرائيل في ظل عجز الجميع عن تقديم ضمانات موثوقة لأي اتفاق.

كما أن المقاومة ليست مستعدّة لأن توافق على بقاء القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزّة لأن ذلك يعني أن القطاع سيكون في حالة تهديد يوميّ واستنزاف متصل، وسيدمّر المجتمع الفلسطيني أيضاً في ظل حصار مستمر لا تمارس فيه الدول العربية والمجتمع الدولي أيّ مبادرة لكسره، وسيكون الوجود الإسرائيلي سبباً مباشراً لأعمال مقاومة يومية ضدّه ستتلوها ردود أفعال عسكرية إسرائيلية في دائرة لن تتوقف.

ومع أن المجتمع الفلسطيني الذي بلغ حالة من اليأس الكامل، يضغط على مقاومته للتنازل وإبداء مزيد من المرونة فإنّه ما يلبث أن يتراجع عن شدّة ضغوطه عندما يعلم أن القرار الإسرائيلي هو تهجير كل الفلسطينيين والضغط عليهم بالنار والدم والتجويع والتعطيش والتحطيم النفسي بالخوف المهيمن، وأنّ المقاومة محقّة في قرارها عدم تقديم تنازلات إلا بوقف دائم للقتال وانسحاب كامل من القطاع، وأن ذلك هو القرار الصائب رغم أن كل دقيقة تمرّ دون إنجاز اتفاق تعني أن ثمّة دماً مسفوحاً جديداً.

والمجتمع الفلسطيني الذي يتّسم في مجموعه بالذكاء الاجتماعيّ يدرك أن طريقة إسرائيل في إدارة المعارك بالدم تعود عليها بخسائر جمّة في كل الأصعدة، وستصل إسرائيل إلى لحظة الحقيقة، وستخضع لمنطق السياسة التي تحوّل الامتيازات إلى أعباء وديون وأزمات إذا استمرّ العصيان السياسيّ الإسرائيليّ دون بيئة تستوعب تهوّره.

وترى المقاومة الفلسطينية أن ورقة الأسرى التي بيدها لا تزال ورقة كاسبة فاعلة رغم محاولات إسرائيل حرق هذه الورقة بكل طريقة ممكنة وإفراغها من مضمونها؛ وترى أيضاً أن استمرار العمليات العسكرية النوعية عاملاً ضاغطاً كبيراً على إسرائيل يسحب منها مزاعمها في إمكانية هزيمة المقاومة وإنهاء وجودها الراسخ رغم كل محاولات المسح الجذريّ.

ولا يفوت المقاومة أن الموجات الهائلة التي أحْدثها طوفان الأقصى قد جعلها في ذروة استحقاق الحرية والاستقلال والجدارة بهذه الأرض، وأنّ ظهور المقاومة مهزومة في اتفاق يجعل المقاومة تغادر قطاع غزة بشكل نهائي كما تريد واشنطن وتل أبيب، وباتفاق لا يحفظ للشعب حقّه في الحرية، ويعترف للشعب بجهاده الأصيل، وتجربته الاستثنائية في نضال الشعوب ضد الاحتلال والاستعمار، ويجعل إسرائيل تدفع ثمن عربدتها.

هذا يعني أن هذه الهزيمة ستُطيل عمر الاحتلال أكثر، وستُغريه بمزيد من التمدّد والتمكين ونشوة الانتصار، وستكسر عزيمة الشعب الفلسطيني وعزائم الشعوب التي ناصرته وآمنت به واستلهمت صموده، وستكسر حالة الالتفاف العالمي غير المسبوق حول القضية الفلسطينية بعد بروز وعي عالمي جديد تجاه القضية الفلسطينية وحقيقة إسرائيل؛ وهذا يعني أن الصبر الاستراتيجيّ الفعّال سيكون إحدى الأدوات الفاعلة في إجبار إسرائيل على اتخاذ قرار وقف الحرب.

في الواقع إن المقاومة الفلسطينية قدّمت كل ما تستطيع وكل مرونة لوقف الحرب، وليس لديها ما تقدمه أكثر من ذلك، ومطالبها لا تعدو أن يستريح قطاع غزة من الحرب ويتفرّغ لتضميد جراحه واستعادة أنفاسه وتعزيته بالأمن. ومن الواضح أن دور القطاع بوصفه رافعة تاريخية قد أصبح محفوراً في الوعي الجمعيّ لأمم كثيرة ألهمها هذا الشعب بصموده الأسطوريّ، وأن موجات الطوفان قادرة وحدها على أن تتحرّك في مناطق أخرى عبر دوائر التداعيات، وأن تكون ثقيلة هذه المرّة على إسرائيل أكثر من غيرها لأنها ستواجه نتائج اختبارها الذي فشلت في توقّع أسئلته، وحساب إجاباته.

 جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها، ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
بعد طلب هولندا مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية.. باريس: أمر مشروع ندعو لمدارسته
النرويج تنهي استثماراتها في شركة "باز" الإسرائيلية لدعمها المستوطنات بالضفة
جيش الاحتلال يهدم منزلًا في جنوبي الضفة الغربية ويواصل عدوانه في طولكرم.. ووفاة أسيرة سابقة
ويتكوف يصل إلى إسرائيل.. وعائلات الأسرى في غزة تطالب باتفاق خلال 24 ساعة
القسام تعلن الإفراج عن الجندي الإسرائيلي-الأمريكي عيدان ألكسندر اليوم
إسرائيل تُصدق على استئناف تسوية الأراضي في الضفة الغربية وسط رفض فلسطيني واسع
بعد محادثات ليومين.. اتفاق صيني-أمريكي بشأن الرسوم الجمركية
جماعة الحوثي تعلن أن طيراناً إسرائيلياً شنّ سلسلة غارات على محافظة الحُديدة
ترحيب بعزم حماس الإفراج عن ألكسندر.. ونتنياهو يزعم أن الاتفاق بلا  مقابل ومعارضوه يرمونه بالفشل
بعد اتصالات مع واشنطن.. حماس توافق على الإفراج عن الجندي عيدان ألكسندر في إطار جهود وقف إطلاق النار
"قلق من مواصلة البناء".. هيئة البث العبرية: الجيش لم يدمر سوى ربع أنفاق حماس بغزة
زيلينسكي يرى تفكير روسيا بإنهاء الحرب "علامة إيجابية" ويدعو لوقف النار من الغد
بعد جولة خليجية.. روبيو إلى تركيا برفقة ترمب لحضور اجتماع الناتو
الاحتلال يدّعي أنه "سيؤمّن" نقل المساعدات إلى غزة.. وحماس تتهمه بارتكاب "جريمة حرب مركبة"
أردوغان مهنئاً بعيد الأم: لا نستطيع رد جميلهن
ألق نظرة سريعة على TRT Global. شاركونا تعليقاتكم
Contact us