عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من زيارته للمملكة العربية السعودية ضمن جولة خليجية أجراها في منتصف يوليو/تموز الماضي، منجزاً أكبر عقد تصدير في مجال الدفاع والطيران بتاريخ الجمهورية التركية، تتراوح قيمته بين 5 و7 مليارات دولار.
وترجمةً لذلك، أبرمت شركات تركية وسعودية في 6 أغسطس/آب الجاري اتفاقية ومذكرتَي تفاهم في مجال الصناعات الدفاعية خلال مراسم جرت بالعاصمة الرياض، وذلك بهدف توطين صناعة الطائرات المسيرة والأنظمة المكونة لها داخل المملكة، وسط حضور مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين.
تفاصيل الاتفاقيات
ووقعت شركة "بايكار" المتخصصة بصناعة الطائرات المسيرة التركية اتفاقية مع الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)، في مجال الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا.
ووفق وزارة الدفاع السعودية، تستهدف الاتفاقية "تصنيع الأنظمة الإلكترونية، والقطع الميكانيكية وهياكل الطائرات باستخدام المواد المركبة والتصنيع والاختبارات النهائية للطيران وتقديم خدمات التدريب والإسناد".
كما وقعت شركتا "أسيلسان" و"روكيتسان" التركيتان، مذكرات تفاهم مع الشركة السعودية للأنظمة الميكانيكية (NCMS)، بهدف القيام بأنشطة توطين التكنولوجيا في المملكة، في حين قالت الدفاع السعودية، إنّ المذكرتَين تستهدف "توطين صناعة الذخائر والمستشعرات البصرية لمنظومة الطائرات المسيرة وتصنيعها داخل المملكة".
ونقلت وكالة الأناضول عن المدير العام لشركة "بايكار" خلوق بيرقدار، الذي بيّن أنّهم كانوا ولا يزالون يتشاركون (مع الدول الحليفة) التكنولوجيات الحديثة في الصناعات الدفاعية، بما فيها الطائرة المسيّرة الهجومية "بيرقدار أقنجي" التي تتمتع بتكنولوجيا فائقة.
وأكد بيرقدار على أنّ "أقنجي" ليست سلاحاً أو طائرة مسيّرة عادية، بل "روبوت ذكي طائر" يضمّ عشرات الحواسيب وكثيراً من برمجيات الذكاء الصناعي.
صفقة المسيّرات
وتأتي هذه التطورات استكمالاً للاتفاقيات التي أُبرمت خلال زيارة أردوغان إلى المملكة، إذ وقعت شركة "بايكار" التركية ووزارة الدفاع السعودية على عقدَين، تستحوذ بموجبهما الأخيرة على طائرات مسيَّرة، بهدف رفع جاهزية القوات المسلحة السعودية، وتعزيز قدرات المملكة الدفاعية والتصنيعية.
وحسب الدفاع السعودية، يشتمل عقدَي الاستحواذ على توطين صناعة الطائرات المسيَّرة والأنظمة المكونة لها داخل المملكة بمشاركة الشركات الوطنية المتخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية.
وحول ذلك قالت شركة "بايكار"،إنّ الصفقة تتعلق بمسيرات "أقنجي تيها" الهجومية، إذ ستدخل الخدمة في صفوف القوات البحرية والجوية السعودية، وستساهم في تطوير القدرات السعودية بمجال التكنولوجيا العالية.
وأوضحت بأنّ الاتفاقية تشمل تقديم الدعم التقني واللوجستي والتدريبي للجانب السعودي في هذا الخصوص، إلى جانب التعاون في نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، مؤكدةً أنّ الاتفاقية "لن تكتفي فقط بتعزيز روابط تركيا مع المملكة، بل ستساهم في السلام الإقليمي والعالمي".
وخلال الزيارة، وقّع وزير دفاع السعودية خالد بن سلمان مع نظيره التركي يشار غولر على "الخطة التنفيذية للتعاون الدفاعي"، وأشار الوزير السعودي إلى أنّ الاتفاقية تأتي "تتويجاً لمسار التعاون بين البلدين في المجالَين الدفاعي والعسكري".
يشار إلى أنّ الخطة التنفيذية بين وزارتَي الدفاع تستهدف مجالات القدرات والصناعات الدفاعية والأبحاث والتطوير، وإنتاج وتطوير الصناعات العسكرية الدفاعية وتبادل الخبرات، إضافةً إلى نقل التقنيات الخاصة بالإنتاج الدفاعي والعسكري وتوطينها.
استثمارات ضخمة
وكشف وزير الخارجية التركي السابق مولود تشاووش أوغلو، أواخر ديسمبر/كانون الأول 2022، عن تلقي بلاده عرضاً من السعودية لإنتاج الطائرات المسيرة بشكل مشترك، لافتاً إلى أنّ علاقات التعاون مع المملكة تتطور في مجالات عدّة من بينها الصناعات الدفاعية.
وخلال الشهر ذاته، زار مساعد وزير الدفاع السعودي طلال العتيبي رئاسة الصناعات الدفاعية التركية والتقى حينها رئيسها السابق إسماعيل دمير، وجرت خلال ذلك مباحثة سُبل تعزيز التعاون في مجال الصناعات العسكرية وتطوير البحث العلمي، كما زار عدداً من الشركات التابعة لوزارة الدفاع التركية اطلع خلالها على منتجاتها.
وفي فبراير/شباط 2021، كشف محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية أحمد العوهلي أنّ المملكة تستهدف استثمار أكثر من 20 مليار دولار في صناعتها العسكرية خلال العقد القادم في إطار خطط، بهدف تعزيز الإنفاق العسكري المحلي، والسعي لتطوير وتصنيع مزيد من الأسلحة والأنظمة العسكرية محلياً.
ونهاية العام الماضي، قال العوهلي إنّه من المخطط أن تصل مساهمة الصناعات الدفاعية السعودية في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة حتى عام 2030 إلى 95 مليار ريال (25 مليار دولار).
وتوقع المسؤول السعودي أن تستقطب الصناعات العسكرية السعودية استثمارات مباشرة تتجاوز 37 مليار ريال (10 مليارات دولار)، ومثلها إلى مجال الأبحاث والتطوير المرتبط بها، أي ما يوازي 20 مليار دولار استثمارات إجمالية، بحلول 2030.
آفاق واسعة
ويقول الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء ركن طيار عبد الله غانم القحطاني، إنّ توطين صناعة المسيرات يأتي انسجاماً مع رؤية المملكة 2030 التي تنصّ على إلزامية توطين التقنيات وخصوصاً في المجال الدفاعي، مشيراً إلى أنّ توطين هذه المسيّرات يأتي استجابةً لهذه الرؤية.
ويوضح القحطاني في حديثه مع TRT عربي، أنّ اختيار المسيّرات التركية وصناعتها في المملكة يندرج في سياق برنامج طموح، كما أنّه سيُلبي احتياجات مشتركة أخرى.
ويبين أنّ المملكة لجأت إلى توطين هذه الصناعة، لا سيّما المسيّرات التركية لكونها تُلبي احتياجها الدفاعي، فضلاً عن أنّها على وفاق سياسي واقتصادي وتكنولوجي مع الجمهورية التركية، مشدداً على أنّ مسيرات "بيرقدار" بكل أنواعها مجربة ميدانياً في مناطق عدّة وأثبتت وجودها ونجاحها وكفاءتها.
ويشدّد القحطاني على أنّ السعودية تنظر بإعجاب إلى صناعات تركيا الدفاعية، وهي صناعات متينة تُلبي الاحتياج الحقيقي، ولها قاعدة صناعية مهمة في تركيا، لافتاً إلى أنّ تشارك التقنية بين البلدين يعبر عن جودة في العلاقات.
ويعتقد الخبير العسكري والإستراتيجي أنّ التعاون في الجانب الصناعي الدفاعي "ليس له حدود"، إذ إنّه مجال يتطور وينمو ويتطلب تضافر الجهود الأخرى، موضحاً أنّ المجال العسكري يحتاج الجانب المدني في القطاع الصناعي والإداري والاستثماري وغيرها، "ولهذا مردوده سيكون هائلاً على البلدَين".
ويضيف أنّ المؤشرات تدلّ على وجود ما هو أبعد من توطين تقنية المسيّرات والمشاريع المشتركة، كاشفاً أنّ الصناعات في جانب معين تتطلب صناعات أخرى ومواداً أساسية للتصنيع وتبادل الخبرات ورؤوس الأموال والاشتراك في الأهداف النهائية الدفاعية.
وحول انعكاس توطين الصناعات الدفاعية، يقول القحطاني إنّ تركيا والسعودية بلدان صديقان وعلى نهج جديد أساسه التعاون والمصالح المشتركة والانطلاق نحو بناء مستقبل علاقات إستراتيجية ثابتة تحميها المصالح الاقتصادية والصناعية، مشيراً إلى أنّ الصناعة العسكرية جزء من هذا الاقتصاد.
ويرى أنّ السعودية وتركيا ستحصدان ثماراً عالية القيمة نتيجة هذه الصفقات المختلفة، مشيراً إلى أنّ الوضع الراهن يظهر وجود متغيرات دولية كبيرة "لذلك لا يمكن أن تكون الرياض وأنقرة إلّا على توافق لتحقيق المصالح البينية لحماية المنطقة من الإرهاب".
وفيما يتعلق بآفاق التعاون الدفاعي والعسكري بين البلدين، يعتقد القحطاني أنّه تعاوناً ثنائياً دفاعياً صناعياً تقنياً سيجري بين الرياض وأنقرة، وسيكون له أبعاد استراتيجية إيجابية مؤثرةً على الأمن والسلام ومحاربة الإرهاب وجودة العلاقات وبناء منظومة مصالح مشتركة تربط الجانبين والدول الأخرى.
حضور بيرقدار
وخلال مطلع العام الجاري، اختارت مجلة (إم آي تي تكنولوجي ريفيو) العالمية المتخصصة في مجال الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، مسيرات "بيرقدار TB2" التركية ضمن التقنيات المتطورة جداً لهذا العام.
ولفتت المجلة إلى أنّ "بيرقدار TB2" استطاعت زيادة أهميتها ودورها الفعال في الحروب، وبخاصةً في الحرب الدائرة حالياً بين روسيا وأوكرانيا.
وعدّدت المجلة مزايا المسيرة التركية بقولها: إنّها "عبارة عن مجموعة من الأجزاء الجيّدة التي جُمعت في جسم الطائرة التي تطير ببطء، هذه المسيرة قادرة على التحليق بسرعة 138 ميلاً في الساعة، وقادرة على التواصل مع المركز عن بُعد 186 ميلاً".
وأضافت أنّ بيرقدار قادرة على البقاء في الأجواء بشكل متواصل لمدة 27 ساعة، وتتميّز بسهولة الاستخدام وسعرها المنافس مقارنة بنظيراتها في العالم.
يُشار إلى أنّ "بيرقدارTB2" يستخدمها حالياً الجيش وقوات حرس الحدود والأمن وجهاز الاستخبارات في تركيا، إلى جانب استخدامها في بلدان أخرى مثل أذربيجان وقطر وأوكرانيا وبولندا.