إلى جانب زوجها وابنتها البالغة سنتين، وقفت محسنة النجار على الجانب الفلسطيني من معبر رفح تترقّب بفارغ الصبر، وقضوا ساعات طويلة في الانتظار للتمكّن من العبور إلى الجانب المصري ومغادرة قطاع غزة، قبل أن يبدِّد أملهم دويُّ انفجار.
تتذكّر المواطنة التركية محسنة، لحظة القصف والتهديد لحياة أسرتها، وتقول لـTRT عربي: "العاشر من أكتوبر/تشرين الأول كان أسوأ يوم في حياتي، كانت الانفجارات شديدة، حتى إنّي أعجز عن وصفها".
عمَّ الرعب بعد انجلاء غبار القصف، وبعد ذلك ابتدأت صور المأساة التي تُقْبل عليها غزة تتضّح أكثر، إذ قصف الجيش الإسرائيلي الجانب المصريّ من معبر رفح، وهو النقطة الوحيدة التي لا تتحكّم فيها تل أبيب وتربط القطاع بالعالم الخارجي.
توعّد الاحتلال السلطة الفلسطينيّة في المعبر، وكان التهديد واضحاً: إما الاستعداد لإخلائه الفوريّ وإما التعرّض للقصف؛ وحين انتشرت أخبار التهديد تلتها الفوضى والقلق. وتبيّن محسنة أن "الجميع كانوا هلعين، فالمسألة مسألة حياة أو موت، وكان المئات يهرعون للابتعاد عن المعبر الحدودي إلى داخل غزة".
وحملت المرأة طفلتها البالغة عامين منى الزهراء وحثَّت خطوَها، وزوجها وراءهما، وتضيف حول ذلك: "ركضنا، ووجدتُ بالكاد القوّة لتحريك قدميّ، رأيت أشخاصاً مسنّين وأطفالاً على الأرض، لم يستطيعوا الركض وتعرّضوا للدهس، كان الأمر شبيهاً بيوم الحساب".
ولحُسن حظ محسنة وأسرتها أنهم عثروا على سيارة مكتظة استطاعوا الركوب إلى جانب مالكيها والهروب من مسرح القصف.
في طريقهم إلى خان يونس، كانت ملامح الدمار الواسع، والتهديد لحياتهم بدا واضحاً في كل مكان، وبدت على جانبي الطريق آثار الدمار وأنقاض بيوت ومبانٍ كانت تؤوي آلاف الفلسطينيين قبل تسويتها بالأرض.
افتُرض أن ترحل الأسرة خارج غزة في ذلك اليوم، لكنها ظلت عالقة داخل القطاع، حيث اكتشفت محسنة طيلة أسابيع معنى شظف الحياة وقسوتها في الحرب على غزة، ومعنى المقاومة والكرامة التي لا يعرفها إلّا من عاش على الأرض، ورأى بأمّ عينيه مجريات العدوان الإسرائيلي.
"لا مهْرب"
محمد (31 عاماً) مهندس ميكانيكي، وُلد في غزة ونشأ فيها، وانتقل إلى تركيا عام 2016، والتقى هناك محسنة خلال دراسته الجامعية، وكانت تدرس اللغة العربية، ورغب هو في تحسين لغته التركية، فتعارفا قبل أن يُحبّا كل منهما الآخر.
عندما تزوّجا عام 2019، لم يستطع غالبية أقارب محمّد حضور حفل زواجهما بسبب الحصار الإسرائيلي، الذي يمنع الفلسطينيين من الخروج من القطاع، لهذا قرّرا السفر إلى غزة حين يتيسّر ذلك.
بعد تأجيل دام لسنوات عدّة، وولادة طفلتهما، قرّر الزوجان الشابّان أخيراً زيارة أهل محمد هذا العام، وفعلاً حقّقا مشروعهما في 24 سبتمبر/أيلول الماضي، إذ استطاعا السفر إلى خان يونس جنوب القطاع حيث تعيش عائلة الزوج.
تحكي عن بدايات الزيارة وتقول: "كان الأسبوعان الأوّلان رائعين، وكنت سعيدة جداً، وردّدت كثيراً لحماتي أنني أريد زيارتهم في كل صيف"، لافتةً إلى أنها لم تتخيّل من قَبل أن تكون غزة جميلة ومليئة بالحياة.
وتضيف محسنة: "ساحل البحر جميل، كنّا نتناول فطورنا ونذهب إلى الشاطئ، وكان الجو رائعاً، لم أرَ يوماً في تركيا نخيل التمر، وكان الشاطئ في غزة يحتوي كثيراً منها، بدا الأمر جميلاً".
لكن عطلتها سرعان ما تحوّلت إلى كابوس، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حين أطلقت إسرائيل عمليّتها العسكرية ضد غزة رداً على عملية "طوفان الأقصى"، التي استهدفت مواقع عسكرية إسرائيليّة، ومستوطنات في غلاف غزة.
في صبيحة اندلاع الحرب على غزة، استيقظت محسنة، على صوت حماتها التي أسرعت لفتح النوافذ، وكان صدى القنابل التي يُطلقها الجيش الإسرائيلي على مباني غزة، يُسمع في الخارج.
بينما حاولت محسنة استيعاب ما يحدث، قام زوجها من السرير مسرعاً، ودون أن ينبس بكلمة بدأ في مساعدة والدته، وكانت محسنة دَهِشَة، وتتساءل عمّا يقع حولها. لم ترَ أي مغزى في فتح النوافذ خلال عاصفة، لأنها لم تكن استوعبت بعد أن الهديرَ هديرُ القصف وليس الغيوم، كما اعتقدت في البداية.
نافذة على القصف
وتقول محسنة: "لم أرَ قَطّ نزاعاً كهذا"، وفي الأيام التالية، ظلت نوافذ منزل النجار مفتوحة كلّ الوقت، لقد كانت طريقة لترك منفذ لارتدادات الانفجارات، كي تعبر من دون تهشيم زجاج النوافذ، وهو ما قد يُحدِث جروحاً خطيرة لمن يتعرّض لشظاياها.
وحينما اشتدّ القصف الإسرائيلي، الذي لم يفرّق بين أهدافه، اضطرت العائلة إلى العيش في غرفة واحدة بعيدة عن النوافذ، وهناك قضوا لياليهم.
أحياناً كانت تسقط قنبلة قريبة عن بيت العائلة، وتحكي المرأة عن هذه اللحظات: "كنت أجلس هناك مرتعدة، ليس بوسعك فعل شيء في تلك اللحظات، تنتظر فقط أن تتوقف الأمور".
خلافاً لها، كان محمد وبقيّة أسرته معتادين صوت القنابل، والطائرات الحربية التي تحلّق فوق رؤوسهم، زمناً طويلاً قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
تُتابع محسنة: "لقد كان بوسعهم القول من أين أُطلق صاروخ إسرائيلي أو من طرف حماس، وحتى حينما كانت القبّة الحديديّة تصدّ أحدها، لم يكن بوسعي هذا، ولهذا كنت أندهش بسرعة".
وكلّما دوّى هدير القنابل أثار فزع ابنتهما منى التي بكت بشدّة. كانت تغلق قبضتيها بقوّة، وتصرّ على أسنانها، وتنظر بقلق إلى وجوه والديها علّها تجد بعض الطمأنينة، وكان عليهما إظهار بعض السكينة، لأنه إذا ظهر القلق عليهما فهذا سيضاعف من قلقها، فكلّما اشتد صوت القصف أخذ محمد طفلته بين ذراعيه وأغلق أذنيها، كي تخفّ حدة الصوت.
وتبين محسنة أنها "سرعان ما تتعلَّم التعامل مع القصف المستمر"؛ وحين استطاعتْ تبيُّنَ أيّ الصواريخ قادمة من إسرائيل، أصبح من السهل عليها كبح جماح مخاوفها، لكن في الليالي التي يشتدّ فيها القصف، لم تكن كلّ معلوماتها تنفع في إيقاف ارتعاشها خوفاً.
وتستطرد: "كانت هناك لحظات عدّة كدت أفقد فيها الأمل. في كل يوم، وعند مغيب الشمس، كنت أرتجف. لقد كان القصف شديداً جداً، ولم يوجد مكان تهرب إليه، ورغم أنك في بيتك فإنك لست آمناً".
حاولت حماتها، التي تملك شخصية مرحة، أن تهدّئ من روعها وتحسّن مزاجها بإلقاء النكات، لكن في كل مرة اشتدّ فيها القصف، تغيّرت لهجتها لتقول: "اقتَرَبوا هذه المرة كثيراً، لقد حان دورنا الآن، سوف يقصفون بيتنا".
لكنَّ إحدى اللحظات التي يستحيل نسيانها بالنسبة إلى محسنة كانت في ليلة 24 أكتوبر/تشرين الأول، عندما ازداد القصف الإسرائيلي في حيّهم، مما أدى إلى مقتل الكثير من السكان.
خشية أن يحدث الأسوأ، جمع أهل محمّد كل ممتلكات الأسرة الثمينة ودفنوها قرب بيتهم، ثم اتصلوا بأحد إخوته الذي يعيش خارج فلسطين قائلين له: "لقد دفنّا كل شيء هنا، عليك أن تعلم هذا، في حال وقع مكروه لنا"، إذ اعتقدوا أن تلك اللّيلة ستكون ليلتهم الأخيرة بين الأحياء.
"هل أنتم أحياء؟"
كلُّ يوم من أيام القصف كان بمثابة معركة طويلة من أجل البقاء على قيد الحياة، ما بين القصف الإسرائيلي من جهة، وغياب أساسيّات الحياة من جهة ثانية.
قُطعت الكهرباء، وكان الماء شحيحاً حصلت عليه العائلة من بئر، ولم تكن هناك كفاية من الطعام لسدّ رمق الجميع، إذ كان كان محمد يذهب إلى السوق في كلّ يوم، ويتنقّل من متجر إلى آخر لعلّه يعثر على شيء يُطعم الأسرة، ولكن القليل الذي يجده سعره أكثر من السعر العادي خمسة أضعاف.
مثل جميع أهل غزة، لم تكن عائلة النجار قادرة على تخزين المؤونة، واشتروا ما يكفيهم ليوم واحد، رغم أن كلّ شيء باهظ السعر، اضطروا إلى الحفاظ على المال بين أيديهم لأنهم لا يدرون متى سيُجبَرون على مغادرة بيتهم إلى أماكن أخرى.
كانت العائلة المكونة من ثمانية أفراد تتناول وجبة واحدة يومياً، تُطهى على موقد خشبي في فناء البيت.
نظراً لأنهم يعيشون بشكل دائم على وجبات محدودة، حاولوا التظاهر بأنهم يأكلون ما يكفيهم، وغمسوا الرغيف الذي تطبخه حماتها في المرق المتبقي من قاع القدر.
وكلّما عملت شبكة الاتصالات، وسط حظر الاتصالات الإسرائيلي، اتصلت العائلة بالأقارب لتسأل عنهم، وكانت المكالمات قصيرة وفحواها في الغالب: "هل ما زلت على قيد الحياة؟".
لكنَّ قوة وصدق المشاعر لدى سكان غزة أثلجا صدر محسنة التي تحكي عن هذه التجربة قائلة: "أكثر ما أثلج قلبي هو الصدق وكيف احتضنني أهل غزة، لقد كانوا يحموننا بشدّة، ولم أشعر أبداً بأنني غريبة"، مضيفةً: "لطالما طلبوا مني أن أخبر العالم بما رأيته".
ما رأته عيناها كان أكثر من مُروّع، إذ لم يتعلّق الأمر بارتفاع عدد الضحايا في مكان بعيد، لقد كانت هناك مع أناس يفقدون حياتهم وحياة أحبّائهم، ومع ذلك حافظوا على صمودهم في مواجهة كل الدمار.
كان من الضحايا أقارب لمحمد، إذ قُتلت في بداية الحرب قريبته فداء، وأكثر من عشرة أفراد من أهلها، بمن فيهم أطفال، في غارة إسرائيلية استهدفت المبنى الذي يقطنون فيه، كان الناجي الوحيد رضيعاً لم يكمل شهره الرابع بعد.
وتتحدث محسنة عن الضحايا قائلة: "التقيت فداء حين وصلت إلى غزة، لقد كانت جميلة للغاية، وأخبرتني أمّها بعد مقتلها أن الغارة كانت مروّعة، لم يجدوا حتى أشلاءها".
ثم تلفت بالقول: "لكنَّ أهل غزة أقوياء، كلّ ما قالته أم فداء (حسبنا الله)، و(ابنتي أُكرمت بالشهادة)".
محاولة لإنقاذ الحياة
كان من المفروض أن تغادر محسنة ومحمد قطاع غزة يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول، لكن عندما بدأت ترتيبات التنقل إلى الحدود، رفض والد محمد السّماح لأخيه بقيادة السيارة إلى المعبر، فهو لم يكن يودّ المخاطرة بفقدان كلا ابنيه في يوم واحد.
ولم يكن بوسعهما السفر إلى تركيا إلّا في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، بمعيّة الهلال الأحمر التركي، وفريق "الإنقاذ الوطني" الطبي التركي، اللّذين سهّلا عملية عبورهما الحواجز.
بعد أيام من المعاناة، وحين علمت محسنة، أن قراراً اتُّخذ من طرف السلطات في أنقرة بإجلائها وأسرتها، لم تشعر بالفرح.
وتقول: "دعائي الوحيد كان أن تنتهي الحرب. شعرت أنني سأكون أنانية، لو رجوت خلاصي وحدي، لكنّني أردت الرجوع إلى بيتي مطمئنة الضمير، ومنذ عودتي، كلّ ما أفكّر فيه هو أهالي غزة".
ومنذ عودتها، ما زالت محسنة تعاني الآثار النفسيّة للقتل والدمار في غزة، وتكافح اليوم لأجل النوم بسلام والأكل، وفي بعض اللّيالي تصحو مذعورة وهي تصرخ، كما أن طفلتها تظهر عليها آثار الضغط النفسي، إذ أصبحت عدوانيّة، وتقضم أظافرها باستمرار.
وحول شعورها تجاه ذويها الذين ما زالوا محاصَرين تحت القنابل في غزة، تقول محسنة: "إنها أرضهم. أليس هذا ما يريدونه (الإسرائيليون) على أي حال؟ أن يترُك كل أهل غزة أرضهم لتسقط بين أيدي الإسرائيليين".
وتذكر كيف أن والد زوجها البالغ من العمر 65 عاماً بكى بحرقة، خوفاً من تكرار "النكبة" التي هجّرت الفلسطينيين من أراضيهم، ومستذكراً ما مرّ به والده وجده، من قَبله.
كان حموها يكرّر: "سيرسلوننا في الغالب إلى سيناء، وحين نعود إلى بيتنا الذي شيّدتُه بيديّ هاتين، سنجد عائلة إسرائيلية قد استوطنته".
وتلفت في ختام حديثه قائلة: "إنهم من غزة، ولم يحاولوا الرحيل عنها، وليست لديهم أيّ رغبة في فعل ذلك".